الشيخ محمد هادي معرفة

294

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

إذن فالتنافي بين الناسخ والمنسوخ بدويّ ظاهريّ ، أمّا بعد التعمّق وملاحظة فترتي نزولهما والمناسبات المستدعية لنزول الأُولى ثمّ الثانية ، فإنّ هذا التنافي والاختلاف يرتفع نهائيّا . ( الشبهة الرابعة ) : ما هي الحكمة وراء ثبت آية في المصحف ، هي منسوخة الحكم ، لتبقى مجرّد ألفاظ يلوكها القرّاء عبر القرون ؟ ( الجواب ) : الحكمة في وجود هكذا آيات منسوخة في القرآن هي الوقوف على مرونة الشريعة واتّباع سياسة المجاراة مع حركة الزمان ، ولاسيّما في بدء تشريعها ومجابهة الصعوبات في طريق تنفيذها ومكافحتها تدريجيّا . الأمر الذي كابده الإسلام منذ نشأته فإلى ظهوره التّامّ . ذلك أنّ الأُمّة الإسلاميّة في بدايتها - حين صدعها الرسول بدعوته - كانت تعاني فترة انتقال شاقٍّ ، بل كان أشقّ ما يكون عليها في ترك عقائدها وموروثاتها وعاداتها ، خصوصا مع ما هو معروف عن العرب الذين شوفهوا بالإسلام ، من التحمّس لما يعتقدون أنّه من مفاخرهم وأمجادهم . فلو أخذوا بهذا الدين الجديد فُجاءةً ، لأدّى ذلك إلى نقيض المقصود ، ولفشلت الدعوة منذ بزوغها ، ولم تجد أنصارا يعتنقونها ويدافعون عنها . لأنّ الطفرة ، من نوع المستحيل الذي لا يطيقه الإنسان . من هنا جاءت الشريعة إلى الناس تمشي على مَهَل ، متألّفة لهم ، متلطّفة في دعوتهم ، متدرّجة بهم إلى الكمال رويدا رويدا ، صاعدة بهم في مدارج الرّقيّ شيئا فشيئا ، منتهزة فرصة الإلف والمران والأحداث الجادّة عليهم ، لتسير بهم من الأسهل إلى السهل . ومن السهل إلى الصعب ، ومن الصعب إلى الأصعب ، حتى تمّ الأمر ونجح الإسلام نجاحا باهرا لم يُعهد مثلُه في سرعته وامتزاج النفوس به ، ونهضة البشريّة بسببه . خذ لذلك مثلًا تدريجيّة تحريم الخمر ، وموقف الإسلام الحكيم تجاه مشكلة عرب الجاهليّة بالأمس . وقد كان مشكلة معقّدة كلّ التعقيد ، يحتسّونها بصورة تكاد تكون إجماعيّة ، ويأتونها لاعلى أنّها مجرّد عادة ، بل على أنّها أمارة القوّة ومظهر الفتوّة وعنوان الشهامة !